لامين يامال… بين جذور تدفقت من الشرق، وهوية تشكلت في الشمال: قصة اختيار هزّ المغرب
في السنوات الأخيرة، اكتشف الجمهور المغربي أن كرة القدم لم تعد مجرد فرجة، بل حكاية هوية ممتدة، تتقاطع فيها الجذور مع الطموح، والانتماء مع الذاكرة. وفي قلب هذه المعادلة يقف اسمٌ صغير السن، كبير الأثر: لامين يامال، لاعب برشلونة الذي تحوّل إلى أحد أكثر المواهب الشابة جاذبية في العالم.
ورغم أن التفاصيل الرياضية عادة ما تكون باردة، صلبة، مباشرة، إلا أن قصة يامال مع المغرب حملت حرارة إنسانية نادرة؛ إذ امتزج فيها الحنين، والضغط، والحلم، وأحيانًا القليل من الارتباك. ومع إعلان اللاعب قراره النهائي بتمثيل المنتخب الإسباني، انفجرت دوامة واسعة من ردود الفعل، وكأن الأمر لم يكن مجرد قرار رياضي، بل فصل جديد من حكاية أكبر تتعلق بالمغرب وعلاقته بأبنائه حول العالم.
- طفولة على أرض إسبانية… وبذرة مغربية لم تجف
وُلد لامين يامال في كتالونيا، وسط مجتمع يعج بالهويات المتقاربة والمتباعدة في آن. كان يحمل في قلبه ثلاثة ألوان: أصول مغربية من الأب، جذور إفريقية أخرى من الأم، وطابعًا إسبانيًا فرضه المكان واللغة والمدرسة والشارع.
في برشلونة، لم يكن مجرد طفل يركل الكرة… بل كان مشروعًا لا يحتاج إلى كثير وقت كي ينضج. لمساته المبكرة في “لا ماسيا” لم تكن عادية؛ بدت كأنها موسيقى تتدفق من أصابع قدميه، خطوطها لا تحتاج لمترجم.
وفي كل هذا، بقيت جذوره المغربية حاضرة، وإن بصوت خافت. زار بلده الأصلي، تحدث العربية ببضع كلمات، واحتفظ بتلك الألفة التي يشعر بها أي شخص يعود إلى جذره الأول. لكن الهوية، كما يقول علماء الاجتماع، ليست دائمًا زجاجة ماء تستطيع نقلها من يد إلى أخرى… إنها تراكم، أثر، ورواية طويلة يكتبها الإنسان يومًا بعد يوم.
- المغرب يتحرك… ومفاوضات بنبض صادق
إدراكًا لقيمة اللاعب، تحرك المغرب مبكرًا. كان وليد الركراكي، مدرب المنتخب، واضحًا في خطته: استقطاب المواهب ثنائية الجنسية لا يجب أن يكون عبر الضغط، بل عبر مشروع، رؤية، وحوار إنساني.
زار الركراكي اللاعب، والتقى عائلته، وتحدث مع والده ومحاميه. عرض المغرب مشروعًا مليئًا بالطموح:
كأس إفريقيا 2025 على أرض مغربية،
مسار تصاعدي نحو كأس العالم 2030،
- فرصة ليكون النجم الذي تتشكل حوله جيلٌ كامل.
وبحسب مصادر متعددة، كان الحوار دافئًا، صريحًا، بعيدًا عن الوعود الفارغة. بدا أن المغرب يفعل كل ما عليه… دون أن يتجاوز حدود الاحترام.
“أنا إسباني”… كلمة حررت القرار
بعد يومين أو ثلاثة من الزيارة، حمل يامال الهاتف واتصل بالركراكي. اختصر كل شيء بجملة واحدة:
“أشعر أنني إسباني.”
لم يكن تصريحه إعلانًا ضد المغرب، ولا انحيازًا ضد أحد. كان مجرد اعتراف داخلي، ربما تأخر في الظهور، لكنه جاء في اللحظة التي شعر فيها اللاعب أن عليه وضع حدٍّ لهذا التشابك.
هو لم ينفِ جذوره، ولم يتبرأ من المغرب، لكنه اختار ما عاشه يوميًا: المدرسة، الأصدقاء، المنتخب الإسباني الذي لعب معه منذ الصغر، حلم “اليورو”، المدرجات الحمراء في أوروبا، والأغنيات التي كبرت في أذنيه منذ الطفولة.

- المغرب بين خيبة وهدوء… وردود فعل متباينة
عندما أعلن يامال قراره، انقسم المشهد المغربي إلى ثلاثة ألوان:
1. هدوء رسمي ورؤية واقعية
كانت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم واضحة: لا أحد يُلام على اختيار هويته.
صرّح فوزي لقجع باحترام:
الاسم الحقيقي للاعب هو “أمين جمال”،
القرار شخصي، “نتمنى له النجاح أينما ذهب.”
أما ياسين بونو، فعبّر بخطاب إنساني نادر: “يارجل… لامين واحد منّا ما دام ما سبّش المغرب.”
2. غضب شعبي مفاجئ
في مواقع التواصل ظهرت أصوات اعتبرت القرار «ضياعًا لفرصة»، ورأى البعض أن اللاعب كان سيحظى بـ«ملكية رمزية» في المغرب، بينما سيكون مجرد “اسم آخر” في إسبانيا.
وذهب آخرون إلى وصف الخطوة بأنها «خيانة رمزية»، رغم اعترافهم بأن للاعب الحق الكامل في اختيار مساره.
3. فخر هادئ بالجذور
لكن قطاعًا كبيرًا من الجمهور المغربي اختار منظورًا مختلفًا:
«نحن فخورون به… حتى لو لعب لإسبانيا».
كان هذا الصوت يرى أن نجاح لاعب من أصل مغربي هو نجاح للجذور، مهما كانت القميص التي يرتديها.
- هل خسر المغرب؟ أم كسب درسًا؟
بعيدًا عن الانفعال، تبدو قصة يامال مرآة مهمة للمغرب.
فهي تُعيد طرح سؤال كبير:
كيف يمكن تحويل المواهب المغربية المولودة في أوروبا إلى جسرٍ لا انقطاع فيه؟
المغرب لم يخسر “جوهرة”، بل خسر خيارًا واحدًا ضمن آلاف الخيارات الممكنة. أما الربح الحقيقي فهو في تطوير بنية تحتية تخلق “يامالات” جديدة داخل المغرب، لا خارجه.
لامين يامال… لاعب صغير بقصة كبيرة
اليوم، ومع كل مباراة يخوضها مع منتخب إسبانيا، يعود الجدل للظهور. البعض يتساءل “ماذا لو…؟”، والبعض يكتفي بالمشاهدة الصامتة. لكن الحقيقة الثابتة هي أن اللاعب اختار طريقه، وأن المغرب تعامل مع القرار بنضج لافت.
وفي النهاية، تبقى كرة القدم مثل نهر واسع:
يحمل الناس إلى ضفته الأولى يومًا، ويقذفهم إلى الضفة الأخرى في يوم آخر.
لكن الجذور، مهما ابتعدت، تحتفظ بظلّها.
