الجزائر تعيد طرح البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي: تحرك مثير للجدل قبيل انتخابات مجلس السلم والأمن

في خطوة وُصفت بأنها تصعيد جديد يستهدف التشويش على المصالح العليا للمغرب ووحدته الترابية، دفعت الجزائر بجبهة البوليساريو إلى الترشح لشغل مقعد شمال إفريقيا داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي للفترة الممتدة بين 2026 و2028، وذلك قبل أيام قليلة من انعقاد الدورة العادية للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

 

ويأتي هذا التحرك في سياق الاستعدادات للانتخابات المقررة يومي 11 و12 فبراير 2026، حيث تتنافس عدة دول تمثل الأقاليم الخمسة للقارة الإفريقية على عضوية هذا الجهاز المحوري المكلف بقضايا السلم والأمن والوقاية من النزاعات.

 

ويرى متابعون أن ترويج الجزائر لترشيح كيان يفتقر لمقومات السيادة ولا يحظى باعتراف أممي، لا يخدم أهداف الاستقرار والأمن الإقليمي، بقدر ما يعكس إصرارًا على إقحام مؤسسات الاتحاد الإفريقي في نزاع إقليمي يُعالج حصريًا تحت إشراف الأمم المتحدة. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه ملف الصحراء المغربية تحولات نوعية تعزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الجدي والواقعي الوحيد.

 

كما يثير هذا الترشيح تساؤلات عميقة حول مدى انسجامه مع طبيعة واختصاصات مجلس السلم والأمن، الذي يُفترض في أعضائه احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، والمساهمة الفعلية في منع النزاعات وتسويتها، وهي شروط يصعب إسقاطها على كيان غير معترف به دوليًا ولا يتوفر على أي سجل مؤسساتي في هذا المجال.

 

– مناورة جزائرية
وفي تعليق على الموضوع، اعتبر دداي بيبوط، فاعل سياسي بالأقاليم الجنوبية، أن الجزائر دأبت خلال السنوات الأخيرة على اعتماد تحركات متأخرة ومناورات ظرفية في محاولة لإنقاذ استراتيجية وصفها بالمهترئة، خاصة بعد الانتكاسات المتتالية التي منيت بها على المستويات الدولية والإقليمية والقارية.

 

وأوضح بيبوط أن دفع الدبلوماسية الجزائرية بالبوليساريو إلى الترشح لعضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي يُعد من بين آخر أوراق الضغط المتاحة للجزائر في مواجهة المغرب، بعد فشلها في وقف التقدم الذي حققته المملكة دبلوماسيًا وسياسيًا وحقوقيًا واقتصاديًا، في إطار نزاع مفتعل عمره نحو خمسة عقود.

 

وأضاف الباحث في التاريخ المعاصر أن ترشيح كيان يفتقد للاعتراف الدولي والسيادة الفعلية لن يغير شيئًا في واقع الملف، مؤكدًا أن قضية الصحراء المغربية تظل من الاختصاص الحصري للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأن أي محاولة لمنح البوليساريو صفة دولة داخل منظمة قارية تشكل خرقًا صريحًا لقواعد القانون الدولي.

 

وأشار المتحدث إلى أن مجلس السلم والأمن الإفريقي، رغم أدواره الأساسية في تدبير الأزمات، لا يزال يعاني من محدودية استقلالية قراره، ما يجعله عرضة للتجاذبات والضغوط السياسية، ومن ضمنها ما تمارسه الجزائر عبر آليات انتخابية أو ترتيبات مالية تخدم أجندتها المعادية للمغرب.

 

وسط المقال

ولفت بيبوط إلى أن المقاربة الجزائرية تجاه النزاع تعود إلى سنة 1975، من خلال احتضان قيادة البوليساريو فوق أراضيها، وتوفير الدعم المالي واللوجستي لها، بينما تتولى دبلوماسيتها الدفاع عن الطرح الانفصالي في المحافل الدولية، بدوافع تتداخل فيها اعتبارات التنافس الإقليمي والطموح الجيو-استراتيجي، إلى جانب رهانات داخلية واقتصادية.

 

وأضاف أن الهدف من توظيف مؤسسات الاتحاد الإفريقي يتمثل في استخدام العضوية كأداة ضغط وتشويش على المبادرات المغربية، ومحاولة فرض سردية تصفية الاستعمار، ومنح البوليساريو غطاءً مؤسساتيًا، بما من شأنه تعقيد تحركات المغرب داخل منظومة الأمن الإفريقي وتقويض الدور الحصري للأمم المتحدة.

 

وأكد بيبوط أن هذه المناورات لم تنجح في المساس بالمسار المغربي القائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، التي تضمن الاستقرار وتحمي مصالح الساكنة المحلية، وتكرس المرجعية القانونية والسياسية للمغرب.

 

– رهان خاسر
من جهتها، اعتبرت مينة لغزال، منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن توالي إخفاقات الجزائر في فرض أطروحتها على الأجندة الدولية دفعها إلى البحث عن أي منفذ لإحياء خطاب فقد زخمه، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي عزز مبادرة الحكم الذاتي كمرجعية أساسية لأي حل سياسي.

 

وأوضحت لغزال أن خروج الجزائر من مجلس الأمن دون تحقيق اختراق ملموس، وتنامي الدعم الدولي للمغرب، جعلاها تحاول استغلال ما تبقى لها من نفوذ داخل الاتحاد الإفريقي لقلب موازين القوى وإرباك المسار القائم.

 

وأكدت أن الإصرار على الدفع بالبوليساريو داخل مؤسسات إفريقية مخصصة للدول ذات السيادة يطرح إشكالًا قانونيًا عميقًا، ويكشف عن تناقض صارخ في التعامل مع هذا الكيان، تارة كحركة تحرر وتارة كدولة عضو، دون توفر أي أسس قانونية أو مادية لذلك.

 

واستنكرت الفاعلة الحقوقية استمرار صمت بعض الأطراف الداعمة للبوليساريو إزاء منع الجزائر للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين من إحصاء المحتجزين في مخيمات تندوف منذ عقود، معتبرة ذلك خرقًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.

 

وخلصت لغزال إلى أن قبول ترشح البوليساريو لعضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي من شأنه تعميق أزمة المصداقية داخل الاتحاد، وخلق توترات دبلوماسية إضافية، مؤكدة أن هذه المحاولة تهدف بالأساس إلى إفراغ قرار مجلس الأمن 2797 من محتواه، رغم استحالة إشراك كيان غير معترف به دوليًا في هيئة تُعنى بصنع القرار الأمني وتسوية النزاعات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.