حين يكون الاستعلاء بداية السقوط… وعندما يتكلم التواضع بلغة الانتصار.

في كرة القدم، كما في الحياة، لا تُهزم المنتخبات فقط داخل المستطيل الأخضر، بل قد تُهزم قبل ذلك بكثير… في العقول، وفي الكلمات، وفي نبرة الاستعلاء التي تُنطق بثقة زائدة.

التاريخ لا ينسى، والكرة لا ترحم.

في مونديال 2006، دخل المنتخب الإسباني البطولة بشعار صارخ: “A por ellos” – لنذهب إليهم.

شعار بدا وكأنه إعلان حرب على خصوم صُوّروا كحلقة أضعف، كأهداف سهلة، لا أكثر. غير أن النهاية كانت صادمة: خروج مبكر، وخيبة بحجم الغرور الذي سبقها.

بعد سنوات، وفي كأس العرب، تكرّر المشهد… لكن هذه المرة بالعربية الواضحة: “هاتوا المغرب”.

قالتها بعض الجماهير، ورددتها منصات، وتسللت إلى تصريحات وتعليقات، لا من باب الثقة بالنفس، بل من منطق الاستعلاء والانتقاص.

السعودية قالتها فسقطت،

الإمارات ردّدتها فغادرت،

الأردن دخل بنفس النغمة فكان المصير ذاته.

واحدًا تلو الآخر، خرجوا من الباب الضيق، ضحايا منتخب لم يكثر من الكلام، لكنه حين دخل الملعب جعل الأداء يعلو على الشعارات، والنتائج تُسكت كل استعلاء.

المغرب لم ينتصر فقط بالأهداف، بل انتصر بالعقلية.

بعقلية لا تحتقر الخصم، ولا تطلب مواجهة أحد بعينه، ولا تنظر من علٍ، بل تؤمن بأن كل مباراة امتحان، وكل منتخب خطر محتمل.

وسط المقال

وهنا تبدأ العِبرة…

نحن اليوم، ونحن نعيش مساء افتتاح كأس إفريقيا من الرباط، أمام لحظة مفصلية لا تخص اللاعبين وحدهم، بل تشمل الجماهير، الإعلام، وكل من يحمل راية هذا الوطن.

الدرس واضح: لا مكان للغرور، ولا مجال للاستخفاف، ولا فائدة من الشعارات الرنانة.

كأس إفريقيا بطولة لا تعترف بالأسماء ولا بالتاريخ، بل تعترف فقط بالانضباط، والاحترام، والجاهزية الذهنية. منتخبات تُصنَّف “صغيرة” أسقطت كبارًا، وأخرى دخلت بثقة زائدة فغادرت باكرًا، والعبرة دائمًا واحدة:

من لا يحترم خصمه، لا تحترمه الكرة.

على أرض الرباط، وأمام أنظار إفريقيا، المطلوب ليس استعلاء البلد المنظم، بل حكمة البلد الواثق.

ليس التباهي، بل التركيز.

ليس طلب الخصوم، بل الاستعداد لهم جميعًا.

فإذا كان ما حدث في مونديال 2006، وما جرى في كأس العرب، قد علّمنا شيئًا، فهو أن الانتصارات الحقيقية تبدأ بالصمت، وتُصنع بالعمل، وتُتوَّج بالتواضع.

ومع انطلاق كأس إفريقيا هذا المساء، تبقى الرسالة الأهم:

احترم الجميع، نافس بشراسة، ودع الملعب وحده يتكلم.

فمن يدخل البطولة بعقلية الوعي، يخرج منها مرفوع الرأس… مهما كانت النتيجة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.