قبل تسوية الأوضاع… موجة “فقدان الجوازات” تربك المشهد الأمني في إسبانيا
تشهد إسبانيا خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في عدد التصريحات المتعلقة بضياع جوازات السفر، خاصة في صفوف المهاجرين غير الحاصلين على إقامة قانونية، وهو تطور أثار الكثير من علامات الاستفهام داخل الأوساط الأمنية والسياسية، بالتزامن مع اقتراب إطلاق برنامج رسمي لتقنين أوضاع المقيمين دون وثائق.
وبحسب معطيات متطابقة، فقد سُجلت زيادات قياسية في البلاغات لدى بعض الجنسيات، إذ قفزت النسبة لدى الباكستانيين بأكثر من 800 في المائة، فيما بلغت نحو 350 في المائة لدى الجزائريين، مع ارتفاعات ملحوظة كذلك في صفوف المغاربة والكولومبيين. هذه الأرقام غير المسبوقة دفعت السلطات إلى التدقيق في خلفيات الظاهرة ودوافعها.
مصادر أمنية رجحت أن يكون جزء من هذه البلاغات مرتبطًا بمحاولات توثيق الحضور داخل التراب الإسباني قبل التاريخ المرجعي الذي يعتمده برنامج التسوية المرتقب، حيث يمكن لوثيقة التصريح بفقدان الجواز أن تُستخدم كدليل رسمي يثبت التواجد خلال فترة زمنية محددة، وهو شرط أساسي للاستفادة من عملية التقنين.
التحريات الأولية كشفت أيضًا أن بعض المصرحين بفقدان وثائقهم لديهم سوابق جنائية أو ملفات شرطية داخل البلاد أو خارجها، فيما رُصدت حالات استعمال هويات متعددة أو أشخاص يخضعون لإجراءات إدارية متعلقة بقوانين الهجرة، الأمر الذي عزز المخاوف من احتمال استغلال ثغرات قانونية قائمة.

ومن بين النقاط المثيرة للجدل، آلية التحقق من خلو السجل العدلي؛ إذ يسمح الإطار القانوني الحالي لطالبي التسوية بطلب شهادة السوابق من بلدانهم الأصلية، وفي حال عدم التوصل برد خلال شهر، يمكنهم الإدلاء بتصريح شخصي يؤكد عدم وجود سوابق. هذا الإجراء تعتبره بعض النقابات الأمنية ثغرة قد تُستغل لإخفاء معطيات حساسة.
في المقابل، تدافع الحكومة عن برنامج التسوية باعتباره خطوة تهدف إلى إدماج آلاف الأشخاص الذين يعيشون ويشتغلون خارج الإطار القانوني، مؤكدة أن إدخالهم إلى المنظومة الرسمية سيسهم في تقليص الاقتصاد الموازي، وتحسين ظروف الشغل، وتعزيز الاندماج المجتمعي.
ويضع هذا الجدل صناع القرار أمام معادلة معقدة: كيف يمكن التوفيق بين البعد الإنساني والاجتماعي من جهة، ومتطلبات الأمن والرقابة من جهة أخرى؟ خاصة في ظل تنامي الدعوات السياسية إلى تشديد إجراءات التحقق وتعزيز التعاون مع بلدان المنشأ لضمان الحصول على معطيات جنائية دقيقة.
هكذا يعود ملف الهجرة ليحتل صدارة النقاش العمومي في إسبانيا، باعتباره أحد أكثر القضايا حساسية، وسط بحث متواصل عن مقاربة متوازنة تجمع بين صرامة القانون ومتطلبات الإدماج.
