الدكتور دينغ جي قوانغ… رؤية علمية تعزز الحوار بين الصين والعالم العربي

بقلم: سلمى القندوسي 

تسهم الدراسات الحضارية في تقريب الشعوب من بعضها، و تمنح القارئ فرصة لاكتشاف الثقافات من مصادرها الأصيلة. و في هذا الإطار يبرز اسم الدكتور “دينغ جي قوانغ”، أحد الأكاديميين الصينيين الذين كرّسوا مسيرتهم لخدمة اللغة العربية، و البحث في تاريخ الحضارة الصينية، و تعزيز التواصل الثقافي بين الصين و العالم العربي. و تمتد تجربته بين التدريس الجامعي، و البحث العلمي، و التأليف، و الإشراف الأكاديمي، لتشكل مشروعًا معرفيًا يجمع بين اللغة و التاريخ و الحضارة.

 

يشغل الدكتور “دينغ جي قوانغ” منصب رئيس قسم اللغة العربية بكلية اللغات الأجنبية في جامعة شمال غربي الصين للمعلمين، كما يدير مركز دراسات غرب آسيا وشمال أفريقيا في الجامعة نفسها، و يشرف على برامج الماجستير في اللغة العربية. و يقود عددًا من المشاريع البحثية التي تهتم بالدراسات الإقليمية، و حضارة طريق الحرير، و حضارة النهر الأصفر، و العلاقات الثقافية بين الصين و الدول العربية، إلى جانب مساهماته في تطوير المناهج الجامعية و إعداد الباحثين الشباب.

 

بدأت رحلته الأكاديمية في جامعة فطاني بتايلاند، حيث حصل على درجتي البكالوريوس و الماجستير، قبل أن ينال درجة الدكتوراه من جامعة شمال غربي القوميات في الصين، في تخصص اللغة و الأدب للأقليات القومية الصينية. و قد أسهم هذا التكوين العلمي المتنوع في توسيع اهتماماته البحثية، فجمع بين الدراسات اللغوية، و التاريخ، و العمارة، و الدراسات الحضارية، و فتح أمامه آفاقًا واسعة للعمل في مجالات متعددة.

 

و خلال سنوات عمله الأكاديمي، نشر أكثر من عشرين بحثًا علميًا في مجلات محكمة داخل الصين و خارجها، تناولت موضوعات الحضارة الصينية، و الدراسات الإقليمية، و التبادل الثقافي، و العمارة التاريخية، إلى جانب إصداره و ترجمته أحد عشر كتابًا، ليواصل من خلالها تقديم المعرفة الأكاديمية بلغة تجمع بين الدقة و الوضوح.

 

و تحظى إصداراته باللغة العربية باهتمام خاص، بعد أن احتضنتها مجموعة كلتورا الدولية للنشر و التوزيع، لتصل إلى القارئ العربي في صورة علمية رصينة و إخراج متميز. و تعكس هذه الكتب مشروعًا متكاملًا يعرّف بتاريخ الصين وحضارتها، و يقربها من القارئ العربي من خلال موضوعات متنوعة تتصل بالهوية و الثقافة و التاريخ.

 

في كتاب “ثقافة العمارة في حوض النهر الأصفر” يدعو الدكتور دينغ القارئ إلى اكتشاف العلاقة بين العمارة و الهوية الثقافية. فالعمارة هنا تحمل ملامح المجتمع، و تعكس أسلوب الحياة، و تروي تفاصيل تطور الحضارة عبر القرون. و يأخذ الكتاب القارئ في جولة بين المدن والمعالم التاريخية، موضحًا كيف أسهمت البيئة الطبيعية و الفكر الإنساني في تشكيل أحد أهم الموروثات المعمارية في الصين.

 

وسط المقال

أما كتاب “تاريخ حضارة النهر الأصفر… مهد الثقافة الصينية” فيتناول البدايات الأولى للحضارة الصينية من خلال النهر الأصفر، الذي ارتبط بقيام المدن، و نمو الزراعة، وازدهار الفكر، و تكوين المجتمع الصيني. و يقدم المؤلف قراءة تاريخية متسلسلة تساعد القارئ على فهم المراحل التي مرت بها هذه الحضارة، و تبرز مكانة النهر الأصفر في الذاكرة الثقافية الصينية.

 

و في كتاب “سور الصين العظيم وطريق الحرير: جناحا الإمبراطورية الشرقية” تتسع مساحة البحث لتشمل اثنين من أبرز الرموز التاريخية في الصين. و يعرض المؤلف دور سور الصين العظيم في حماية البلاد، إلى جانب الدور الحضاري الذي أداه طريق الحرير في نقل التجارة و المعرفة و الثقافات بين الشرق و الغرب. و يمنح هذا الطرح القارئ صورة متكاملة عن طبيعة التواصل الحضاري الذي عرفته المنطقة عبر قرون طويلة.

 

و يواصل الدكتور دينغ هذه الرؤية في كتاب “الحدود المتدفقة: سور الصين العظيم وطريق الحرير وتلاقح الحضارات”، حيث يناقش مفهوم الحدود من منظور حضاري، و يبرز كيف أسهمت طرق التجارة و اللقاءات الإنسانية في تبادل الأفكار و الخبرات و بناء علاقات امتدت بين شعوب و ثقافات مختلفة. و يقدم الكتاب قراءة تربط الماضي بالحاضر، و تدعو إلى تعزيز التعاون والتفاهم بين الأمم من خلال المعرفة و الحوار.

 

و تكشف هذه المؤلفات، عند قراءتها مجتمعة، عن مشروع فكري متماسك يقوم على دراسة الحضارة الصينية من زوايا متعددة؛ فالنهر الأصفر يحضر بوصفه مهدًا للحضارة، و العمارة تعكس هوية المجتمع، و سور الصين العظيم يروي جانبًا من التاريخ، بينما يجسد طريق الحرير حركة التبادل الثقافي بين الشعوب. و من خلال هذا التنوع، تتشكل صورة واسعة للحضارة الصينية بكل أبعادها التاريخية و الإنسانية.

 

و يواصل الدكتور “دينغ جي قوانغ” عمله في الإشراف على طلبة الدراسات العليا، و تشجيع الباحثين على الانفتاح على الثقافات المختلفة، و إجراء الدراسات المقارنة، و المشاركة في مشاريع البحث العلمي التي تخدم الحوار الحضاري. كما يحرص على أن تبقى اللغة العربية جزءًا أساسيًا من هذا المشروع، إيمانًا بدورها في توسيع دوائر المعرفة و تعزيز التواصل بين الصين و العالم العربي.

 

تمثل تجربة الدكتور “دينغ جي قوانغ” نموذجًا أكاديميًا يجمع بين البحث والتعليم و التأليف، و يؤكد أن الكتاب يظل أحد أهم وسائل التقارب بين الشعوب. و من خلال مؤلفاته و إسهاماته العلمية، يواصل تقديم صورة ثرية عن الحضارة الصينية، و يضيف إلى المكتبة العربية أعمالًا تفتح آفاقًا جديدة للباحثين و القراء المهتمين بالتاريخ و الثقافة و حوار الحضارات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.