اتفاق تاريخي ينهي عقوداً من التوتر.. بريطانيا والاتحاد الأوروبي يطويان صفحة أزمة جبل طارق

دخلت بريطانيا والاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة في ملف جبل طارق، بعد إبرام اتفاقية رسمية جديدة تهدف إلى تسهيل حركة العبور بين الإقليم وإسبانيا، وإنهاء سنوات من الغموض السياسي الذي أعقب خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت).

وبموجب الاتفاق، سيتمكن سكان جبل طارق من عبور الحدود إلى إسبانيا باستخدام بطاقات الإقامة دون الحاجة إلى ختم جوازات السفر، فيما يُسمح للمواطنين الإسبان بدخول الإقليم باستعمال بطاقة الهوية الوطنية. أما القادمون عبر مطار جبل طارق، فسيخضعون لإجراءات مراقبة جوازات السفر من قبل موظفين تابعين لسلطات جبل طارق وإسبانيا، في نظام تسعى لندن إلى أن يكون مشابهاً لما هو معمول به في محطة “سانت بانكراس” الخاصة بقطارات “يوروستار”.

ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من المفاوضات التي تلت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2020، والذي ترك مستقبل العلاقة بين جبل طارق والتكتل الأوروبي دون إطار قانوني واضح. ورغم توصل لندن ومدريد إلى اتفاق مؤقت في أواخر عام 2020 للحفاظ على انسيابية التنقل عبر الحدود، فإن التوصل إلى اتفاق نهائي ظل متعثراً حتى الآن.

ويعود النزاع حول جبل طارق إلى عام 1713، حين تنازلت إسبانيا عن الإقليم للتاج البريطاني بموجب معاهدة أوترخت، إلا أن مدريد لم تتوقف منذ ذلك الحين عن المطالبة باستعادة السيادة عليه، وهو ما تسبب في توترات متكررة بين البلدين على مدى أكثر من ثلاثة قرون.

ويكتسي الاتفاق أهمية اقتصادية واجتماعية كبيرة، إذ يقطن جبل طارق نحو 40 ألف نسمة، بينما يعبر حدوده يومياً قرابة 15 ألف عامل إسباني، يمثلون نحو نصف القوة العاملة في الإقليم. ومن شأن إزالة العقبات الحدودية أن تسهل تنقل العمال وتدعم الشركات المحلية في استقطاب الكفاءات والحفاظ عليها.

وسط المقال

ووصف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس الاتفاق بأنه يفتح “عهداً جديداً” ويوفر “آفاقاً هائلة بعد ثلاثة قرون” من الخلافات، فيما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن الاتفاق سيسمح بـ”هدم آخر جدار ما زال قائماً داخل الاتحاد الأوروبي”، تزامناً مع بدء إزالة السياج المعدني القديم ونقاط العبور الفاصلة بين إسبانيا وجبل طارق.

من جهته، أكد رئيس حكومة جبل طارق فابيان بيكاردو أن الاتفاق يمهد لإزالة الحواجز المادية التي تعود إلى مرحلة اتسمت بالتوتر، مع الحفاظ على خصوصية الإقليم وإدارته لحدوده.

وشهدت العلاقات بين الطرفين إحدى أكثر محطاتها توتراً عام 1969، عندما أغلق نظام الدكتاتور الإسباني فرانسيسكو فرانكو الحدود عقب تصويت سكان جبل طارق بأغلبية ساحقة لصالح البقاء تحت السيادة البريطانية. ولم تُفتح الحدود بالكامل مجدداً إلا عام 1985، غير أن الطوابير الطويلة والإجراءات المشددة ظلت تتكرر بحسب مستوى التوتر السياسي بين مدريد ولندن.

وأكد المسؤول النقابي الإسباني مانويل تريانو باوليت أن آلاف العمال كانوا يعانون يومياً من صعوبة توقع مدة الانتظار على الحدود، معتبراً أن الاتفاق الجديد يمثل انفراجاً حقيقياً سيساهم في تحسين ظروف تنقلهم واستقرار حياتهم المهنية.

ويُعد جبل طارق من أغنى الأقاليم في العالم من حيث متوسط دخل الفرد، رغم أن مساحته لا تتجاوز بضعة كيلومترات مربعة، ويعتمد اقتصاده بشكل رئيسي على الخدمات المالية وألعاب القمار عبر الإنترنت، ما يجعل استقرار حركة العبور عاملاً أساسياً لاستمرار نشاطه الاقتصادي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.