مأساة عامل برتغالي تفضح “مستعبِدي البشر” وتجرّ أرباب مصانع نبيذ للتحقيق بإسبانيا
المهاجر24-محمد المغربي
لم يكن يدور في خلد أحد أن حادثة سير “غامضة” على الطريق السريع “N-232” بمنطقة “لا ريوخا” الإسبانية، ستكون الخيط الرفيع الذي يقود الحرس المدني لفك شفرة واحدة من أبشع قضايا “العبودية الحديثة” والاتجار بالبشر في الجارة الشمالية للمملكة، أبطالها شبكة عائلية تتزعمها امرأة قادت الضحايا إلى جحيم الاستغلال.
وحسب مصادر اعلامية اسبانية فقد أعلنت القيادة العليا للحرس المدني الإسباني، في عملية أمنية دقيقة أُطلق عليها اسم “بورتوس-كالي” (Portus-Cale)، عن تفكيك منظمة إجرامية خطيرة وإلقاء القبض على 5 من عناصرها (ينتمون لعائلة واحدة)، بتهم ثقيلة تتعلق بالاتجار بالبشر لأغراض الاستغلال في العمل، وغسيل الأموال، واحتجاز أشخاص في ظروف حاطة بالكرامة الإنسانية.
التحقيقات الأمنية كشفت عن تفاصيل تقشعر لها الأبدان؛ حيث كانت الشبكة، التي تتزعمها امرأة تُعرف في الأوساط الإجرامية بـ”الزعيمة” بمعاونة زوجها وأبنائها، تستهدف مواطنين من الجنسية البرتغالية يعيشون في وضعية هشاشة قصوى. وحسب صك الاتهام، فقد جرى تحرير 8 ضحايا تتراوح أعمارهم بين 40 و74 عاماً، كانوا يعاملون كـ”بضائع بشرية”، وكان المستغلون يجبرونهم على العمل الشاق لمدد تتراوح بين 12 و16 ساعة يومياً، دون الحق في الراحة الأسبوعية أو العطل، مستنزفين قواهم في تقليم حقول العنب، البناء، والنقل.

ولم تقف سادية الشبكة عند هذا الحد، بل كان الضحايا يُحشرون في مستودعات تفتقر لأدنى شروط الحياة الآدمية، ويُقدم لهم لحم فاسد، مع إغراقهم بالكحول والتبغ كآلية “سيكولوجية” لعزلهم عن العالم الخارجي وقمع إرادتهم، بل والاعتداء عليهم جسدياً إذا ما داهمهم المرض.
الشرارة التي فجرت القضية تعود إلى مأساة إنسانية، بعدما قرر أحد العمال البرتغاليين التمرد على “أسياده” والفرار بجلده؛ وبدافع الخوف والذعر، قفز العامل فوق الحاجز الواقي للطريق السريع ببلدة “كالاأورا”، لتدهسه ثلاث سيارات متتالية ويلقى حتفه على الفور في مشهد مأساوي، وهو الحادث الذي فتح عيون الشرطة القضائية على خبايا هذه المنظمة الإجرامية التي ظلت تتغذى على مآسي المستضعفين.
التحقيقات المالية والتحريات حول الأصول فجرت بدورها مفاجأة من العيار الثقيل؛ إذ تبين أن رأسين من الشبكة نجحا في ضخ ما يناهز 2.5 مليون يورو في حساباتهما البنكية منذ سنة 2022، متحصّلة بالكامل من عرق العمال المستعبَدين في الضيعات الفلاحية. ولم يكن المتهمون يعملون في معزل عن المحيط الاقتصادي، بل جرى تمديد التحقيق ليشمل أرباب عمل ومزارعين بمنطقتي “لا ريوخا باخا” و”ريبيرا دي نافارا”، كانوا على علم تام بالوضعية المزرية لهؤلاء العمال ويستغلونهم لخفض التكاليف؛ وفي هذا الصدد، وُضع أحد مصانع النبيذ الكبرى ومسؤولوه تحت التحقيق القضائي بتهمة انتهاك حقوق العمال، بعدما ثبت دفعه للمنظمة مبلغا ضخما ناهز 569,000 يورو مقابل خدمات “العبيد الجدد”.
وعقب مداهمة سبعة عقارات تابعة للعائلة الإجرامية في بلدة “رينكون دي أوليفيدو”، تمكنت عناصر الأمن الإسباني من حجز قرابة 30 ألف يورو نقدا، ومجوهرات وأحجار كريمة تجاوزت قيمتها 150 ألف يورو، فضلا عن وثائق حساسة وثماني سيارات، من بينها 5 سيارات فارهة من طرازات رفيعة، مع تجميد 7 حسابات بنكية في انتظار عرض المتهمين على العدالة لتقول كلمتها في صك اتهام يندى له جبين الإنسانية.
