كشفت نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز البحوث الاجتماعية في إسبانيا عن مؤشرات لافتة بشأن توجهات الشارع الإسباني، سواء على مستوى المشهد السياسي الداخلي أو في ما يتعلق بالعلاقات مع المغرب وملفات الهجرة وأمن الحدود.
وأظهرت النتائج استمرار تصدر الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، بقيادة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، لنوايا التصويت، في وقت كشفت فيه إجابات المشاركين بشأن المغرب عن دعم واسع لاستمرار علاقات الصداقة وحسن الجوار بين مدريد والرباط.
وتأتي هذه النتائج في سياق سياسي تعرف فيه إسبانيا نقاشاً متصاعداً حول الهجرة وأمن الحدود، وهي ملفات تراهن عليها أحزاب من اليمين واليمين المتطرف لتعزيز حضورها السياسي.
- سانشيز يتقدم على الحزب الشعبي
بحسب نتائج الاستطلاع، سيحصل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني على حوالي 31 في المائة من الأصوات في حال إجراء انتخابات عامة مبكرة.
وجاء الحزب الشعبي، بزعامة ألبرتو نونيز فيخو، في المرتبة الثانية بنسبة 25.5 في المائة، بينما حل حزب «فوكس» في المركز الثالث بحوالي 16.6 في المائة.
وتضع هذه النتائج الحزب الاشتراكي في الصدارة بفارق يتجاوز خمس نقاط مئوية عن الحزب الشعبي، رغم استمرار الجدل السياسي حول مجموعة من الملفات الداخلية والخارجية.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة في ظل الرهانات التي تضعها قوى اليمين واليمين المتطرف على قضايا الهجرة وأمن الحدود لاستقطاب الناخبين.
- الهجرة حاضرة بقوة في الشارع الإسباني
وأظهر الاستطلاع أن قضية الهجرة لا تزال تحظى باهتمام واسع لدى الإسبان.
فقد أفاد أكثر من 97 في المائة من المشاركين بأنهم كانوا على دراية بأحداث العبور الجماعي للمهاجرين غير النظاميين التي شهدتها سبتة خلال الفترة الأخيرة.
وفي المقابل، أكد أكثر من 82 في المائة ضرورة تعزيز أمن الحدود لمنع تدفقات الهجرة إلى إسبانيا.
وتبرز هذه الأرقام مدى حساسية ملف الهجرة في النقاش العام الإسباني، خصوصاً في المناطق الحدودية وفي ظل توظيف القضية من طرف عدد من القوى السياسية.
- التنسيق مع المغرب يحظى بدعم واسع
ورغم حساسية ملف الهجرة والحدود، أظهر الاستطلاع أن غالبية من الإسبان ينظرون إلى التنسيق مع المغرب باعتباره عاملاً مهماً في معالجة هذه القضايا.
فقد اعتبر أكثر من 63 في المائة من المستطلعين أن التفاهم بين إسبانيا والمغرب لضمان أمن الحدود المرتبطة بسبتة ومليلية يكتسي أهمية.
كما رأى أكثر من 14 في المائة أن وضع المدينتين يمثل مسألة خاصة وغامضة بالنسبة إليهم، وينبغي أن تكون موضوع اتفاقيات وتفاهمات مع الحكومة في الرباط.
وتعكس هذه النتائج وجود توجه داخل جزء مهم من الرأي العام الإسباني نحو التعامل مع المغرب من خلال الحوار والتنسيق، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالأمن والهجرة.
- أكثر من 73% يؤيدون علاقات الصداقة مع المغرب
المؤشر الأبرز في الاستطلاع يرتبط بالعلاقات الثنائية.
فقد شدد أكثر من 73 في المائة من الإسبان على أهمية الحفاظ على علاقات الصداقة وحسن الجوار بين إسبانيا والمغرب.
وتكتسب هذه النسبة أهمية بالنظر إلى استمرار حضور عدد من الملفات الحساسة في النقاش السياسي بين البلدين، خصوصاً الهجرة وأمن الحدود وسبتة ومليلية.
كما اعتبر أكثر من 67 في المائة من المشاركين أن هناك دولاً وفاعلين دوليين يحاولون خلق مشاكل أو سوء تفاهم يمكن أن يؤثر على العلاقات بين مدريد والرباط.
- تصورات بشأن التدخلات الخارجية
وفي ما يتعلق بالجهات التي يعتقد المشاركون أنها قد تسعى إلى التأثير على العلاقات المغربية الإسبانية، أظهرت نتائج الاستطلاع وجود تصورات مختلفة داخل الشارع الإسباني.
فقد اتهم أكثر من 49 في المائة من المستطلعين الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الأطراف الأمريكية بمحاولة إذكاء التوتر بين البلدين.
كما وجه أكثر من 35 في المائة أصابع الاتهام إلى جهات إسرائيلية، فيما أشار أكثر من 15 في المائة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي شخصياً.
وتظل هذه الأرقام معبرة عن آراء وتصورات المشاركين في الاستطلاع، ولا تشكل بحد ذاتها إثباتاً لوجود تدخلات من الجهات التي جرى ذكرها.
- السكن والمعيشة يتقدمان أولويات الإسبان
وبعيداً عن السياسة الخارجية والهجرة، كشف الاستطلاع أن القضايا الاجتماعية والاقتصادية تظل في مقدمة اهتمامات المواطنين.
وجاء السكن وتكاليف المعيشة في صدارة المشاكل التي يرى الإسبان أن الحكومة مطالبة بالتعامل معها، بنسبة تجاوزت 19 في المائة.
كما حضرت المشاكل الاقتصادية والهجرة والتطرف والغش والفساد ضمن قائمة الأولويات التي تشغل الرأي العام.
وتبرز هذه المعطيات أن الناخب الإسباني لا ينظر فقط إلى الملفات الأمنية والهجرة، وإنما يضع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وفي مقدمتها السكن وتكاليف الحياة، ضمن أولويات واضحة.
- الحرائق تثير مخاوف واسعة
وأظهر الاستطلاع أيضاً ارتفاع مستوى القلق بشأن ظاهرة حرائق الغابات.
وأكد أكثر من 78 في المائة من المشاركين أن الحرائق تمثل أحد المواضيع التي تؤرقهم بشكل كبير، بينما عبر نحو ثلاثة أرباع المستطلعين عن مخاوفهم من التأثيرات المستقبلية المحتملة لحرائق الغابات عليهم وعلى أسرهم.
وتكشف هذه النتيجة عن اتساع دائرة القضايا التي تضغط على الرأي العام الإسباني، من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى البيئة والهجرة والعلاقات الخارجية.
- المغرب.. شريك في الحسابات الأمنية والتجارية
وتحمل نتائج الاستطلاع دلالة سياسية لافتة في ما يتعلق بمكانة المغرب داخل الرأي العام الإسباني.
ففي الوقت الذي يطالب فيه أكثر من 82 في المائة بتعزيز أمن الحدود، يؤيد أكثر من 63 في المائة التفاهم مع المغرب بشأن أمن الحدود، بينما تتجاوز نسبة المؤيدين للحفاظ على علاقات الصداقة وحسن الجوار 73 في المائة.
وتشير هذه الأرقام، في حدود ما يقيسه الاستطلاع، إلى أن جزءاً واسعاً من الشارع الإسباني لا يرى في التعاون مع المغرب تناقضاً مع المطالبة بتشديد مراقبة الحدود، بل يعتبر التنسيق بين البلدين عاملاً مهماً في إدارة الملفات المشتركة.
- رسالة سياسية تتجاوز الانتخابات
وتأتي هذه المؤشرات في وقت تراهن فيه أحزاب اليمين واليمين المتطرف على ملف الهجرة والحدود في مواجهة الحكومة التي يقودها الحزب الاشتراكي.
غير أن نتائج الاستطلاع ترسم مشهداً أكثر تعقيداً، إذ يجتمع القلق من الهجرة وأمن الحدود مع استمرار الدعم الشعبي للعلاقات الجيدة مع المغرب.
وبالنسبة للعلاقات المغربية الإسبانية، تبرز أهمية هذه النتائج في كونها تعكس وجود قاعدة شعبية واسعة تؤيد استمرار التعاون وحسن الجوار، رغم حساسية عدد من الملفات التي تشكل باستمرار مادة للنقاش السياسي.
وبذلك، يرسم الاستطلاع صورة لرأي عام إسباني يريد حدوداً أكثر أمناً، لكنه في الوقت نفسه يؤيد استمرار التعاون مع المغرب، بينما يظل السكن وتكاليف المعيشة والاقتصاد من أبرز القضايا التي ستحدد توجهاته السياسية خلال المرحلة المقبلة.