عبد الحميد البجوقي يكتب: سبتة لا تهدم الشراكة المغربية الإسبانية.. لكنها تعيد تعريفها
بقلم ذ.عبدالحميد البجوقي
ليس مفيدا أن نتعامل مع ما جرى في سبتة كمجرد أزمة هجرة عابرة. ما حدث يبدو أقرب إلى الواجهة التي طفت فوقها خلافات أعمق ومصالح متشابكة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. فالحجم الاستثنائي للتدفق، وما رافقه من إجراءات أمنية وتجاذب سياسي وإعلامي، تجاوز البعد الأمني ليطرح أسئلة حساسة حول السيادة وطبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد ومستقبل الشراكة بينهما.
شراكة تحت الاختبار
لا أعتقد أن أحداث سبتة ستهدم الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا على المدى المنظور، لكنها تكشف حدودها الحقيقية.
العلاقة اليوم لم تعد ثنائية تقليدية تتعطل بأزمة ظرفية، بل شبكة واسعة من المصالح تشمل الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة والتجارة والطاقة والتعاون القضائي، بالإضافة إلى المصالح المرتبطة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
لذلك قد يرتفع منسوب الخطاب السياسي والإعلامي، بينما تظل قنوات الاتصال والتعاون تشتغل تحت السطح. هذه هي مفارقة المرحلة: ضجيج سياسي صاخب دون أزمة استراتيجية حقيقية.
الموقف الإسباني نفسه ليس موحدا، فالمعارضة وبعض الأصوات المحلية في سبتة تصعد ضد الحكومة المركزية وضد المغرب، في وقت تؤكد فيه حكومة مدريد أهمية التعاون مع الرباط. لذلك فالأزمة ستضغط على الشراكة لكنها لن تكسرها، وقد تدفع الطرفين بعد هدوء العاصفة إلى إعادة ترتيب قواعدها.
عندما تتحول الهجرة إلى ورقة تفاوض
تحولت الهجرة في السنوات الأخيرة من ملف للتعاون إلى ورقة تفاوض ولغة غير معلنة لإدارة ملفات أخرى. وهذا لا يعني أن كل موجة هجرة هي قرار سياسي مغربي، فاختزال الأمر بهذا الشكل تبسيط خطير.
ما حدث في سبتة له أسباب اجتماعية واقتصادية واضحة داخل المغرب، من تأثير الشائعات على مواقع التواصل، إلى الأوضاع الاقتصادية والاحباط لدى فئات من الشباب، وهي عوامل لا يمكن تجاهلها.
لكن في المقابل، أصبحت الهجرة ورقة ضغط حساسة في العلاقة الأوروبية المغربية، فأوروبا تعلم أن موقع المغرب يجعله شريكا لا يمكن الاستغناء عنه في حماية حدودها الجنوبية. وكلما زاد اعتماد أوروبا على المغرب، ارتفعت قيمته التفاوضية.
ومصلحة الطرفين ليست في تحويل هذه الورقة إلى مواجهة مفتوحة، فالتعاون الأمني أعمق من أن ينهار بأزمة واحدة، بل إن الأزمة نفسها أظهرت الحاجة المتبادلة إليه. ومع دخول بروكسل على الخط، لم تعد سبتة قضية إسبانية مغربية خالصة، بل جزءا من نقاش أوروبي حول حدود شنغن والتضامن الأوروبي.

البعد الإنساني المنسي
وسط هذا الصخب، لا يجب أن يختفي البعد الإنساني. لا يمكن أن تتحول أجساد الأطفال والشباب ومآسي الأسر إلى مجرد أرقام في دفتر التفاوض السياسي، كما لا يمكن استخدام البعد الإنساني لإعفاء الدول من مسؤولية حماية حدودها.
المشكل أن الطرفين يعالجان الأعراض أكثر من الأسباب. المغرب مطالب بمعالجة اختلالاته الاجتماعية والاقتصادية، وإسبانيا تواجه تحديات استقبال القاصرين وتوزيع المسؤوليات بين المركز والجهات.
سبتة تكشف أن جزءا من الأزمة مغربي وجزءا إسباني وجزءا أوروبي، وتحميل طرف واحد المسؤولية كاملة هو اختصار سياسي مريح لا يفسر الواقع.
هل توظف المعارضة الإسبانية سبتة؟
خطاب اليمين والمعارضة في إسبانيا يجب أن يقرأ في سياق الصراع الداخلي. سبتة تمنحها فرصة لإعادة طرح أسئلة الأمن والهجرة والتشكيك في قدرة حكومة بيدرو سانشيز على حماية الحدود، وهو توظيف انتخابي كلاسيكي في أوروبا.
تحميل المغرب وحده المسؤولية قد يخدم بعض القوى سياسيا لكنه لا يقدم تفسيرا كاملا. فالهجرة أصبحت ستارا يخفي ملفات أكثر حساسية: مستقبل سبتة ومليلية، والعلاقة مع المغرب، وموقف مدريد من الصحراء، وموقع إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي.
لذلك السؤال ليس فقط هل يستخدم المغرب الهجرة للضغط، بل لماذا أصبحت الهجرة أصلا أداة ضغط بهذه الحساسية؟ ومن المستفيد من تحويل كل أزمة اجتماعية إلى أزمة أمنية؟
ما نراه اليوم ليس بداية أزمة جديدة، بل مرحلة جديدة في إدارة الأزمة القديمة. سبتة ليست مجرد حدود، والهجرة ليست مجرد هجرة، والمواجهة الإعلامية ليست دائما انعكاسا حقيقيا للعلاقات.
بعد التحول في الموقف الإسباني من قضية الصحراء، دخلت العلاقة مرحلة تقوم على المصالح المتبادلة أكثر من المجاملات، لذلك يمكن للرباط ومدريد أن تختلفا بشدة في ملف وتتعاونا في آخر في نفس الوقت.
أما الاتحاد الأوروبي فسيجد نفسه مضطرا للتعامل مع المغرب ليس كجار جنوبي فقط، بل كشريك مركزي في أمن حدوده الجنوبية.
ستعود حالة الهدوء الاستراتيجي في النهاية، لكن ليس كما كان. أحداث سبتة كشفت هشاشة التوازنات، وأظهرت كيف تنتقل ورقة الهجرة بسرعة من ملف إنساني إلى أمني، ثم إلى سياسي وتفاوضي أوروبي.
لن تهدم سبتة الشراكة، لكنها ستجبرها على إعادة تعريف نفسها، وما انفجر في سبتة قد لا يكون سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد.