يعقوب جوهري
خلص تقرير أولي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، نشر الجمعة، إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دورا “حاسما” في التعبئة والتضليل الرقمي الذي سبق التدفق الجماعي غير المسبوق نحو مدينة سبتة المحتلة يومي 30 و 31 يوليوز الماضي.
ورصد المجلس في قراءته لتسلسل الأحداث، 23 مجموعة رئيسية على موقع “فيسبوك” تضم أكثر من مليون و86 ألف عضو، تنشر مجتمعة ما يفوق 1400 تدوينة يوميا، شكلت فضاء رئيسيا لترويج الأخبار الزائفة والتنسيق اللوجستي لعمليات العبور.
تأويل مضلل لحكم قضائي إسباني
وأوضحت المؤسسة الحقوقية أن محاولات الهجرة اكتسبت زخما استثنائيا بعد تداول تأويل غير دقيق لحكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليوز، ورغم أن الحكم ينص على إخضاع المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر لإجراءات “قانون الأجانب” بدل الإرجاع الفوري عند الحدود، إلا أن صفحات رقمية معنية بالهجرة قدمته منذ اليوم الأول على أنه مانع قانوني يمنع إرجاع من يصل سباحة إلى سبتة أو مليلية.
وانطلق هذا التأويل المضلل، بحسب التقرير، من صفحة يتابعها أكثر من 90 ألف شخص، لينتقل بسرعة إلى مجموعة تضم 124 ألف عضو، في وقت كانت فيه محاولات العبور تتزايد تدريجيا منذ منتصف يوليوز.
صورة “فتاة العرائش” تتحول إلى مادة دعائية
وفي سياق هذه الدينامية، برزت صورة لشابة من مدينة العرائش ترفع شارة النصر رفقة صديقتها بعد وصولهما ضمن أكثر من مئة شخص إلى سبتة في 28 يوليوز.
واعتبر المجلس أن الصورة التي انتشرت بسرعة بين الهواتف، تحولت إلى مادة دعائية وفرت مثالا مرئيا يعزز الرواية المضللة بشأن سهولة الوصول وصعوبة الإرجاع، قبل أن تنتشر في الليلة الموالية منشورات تزعم أن “الحدود مفتوحة”.

وأكد المجلس أنه لا يعزو الأحداث إلى صورة الشابة العرائشية في حد ذاتها، بل يصنفها ضمن سلسلة من المواد التي غذت التعبئة الرقمية طوال أسابيع، وتزامن انتشارها مع انتقال التحشيد من شاشات الهواتف إلى تجمعات بشرية واسعة ضمت شبابا وقاصرين وعائلات توافدوا على الفنيدق يومي 29 و 30 يوليوز.
واتساب وتيليغرام للتنسيق الميداني
وكشفت إفادات شبان استمع إليهم المجلس أنهم تلقوا رسائل عبر تطبيق “واتساب” تحثهم على التوجه بعد منتصف الليل إلى نقطة العبور للمشاركة في عملية مرور جماعي.
ولم يقتصر النشاط الرقمي على التشجيع، بل تحولت المجموعات إلى فضاءات لتبادل المعلومات بشأن مسالك الوصول إلى طنجة ومنها إلى سبتة، وتحديد نقاط الالتقاء، وتقديم إرشادات حول الاستعداد للسباحة، إلى جانب عرض معدات للبيع مثل سترات النجاة والزعانف وملابس الرياضات البحرية.
كما استمر التنسيق الميداني عبر “واتساب” و”تيليغرام”، مع تداول عروض لتنظيم أو تسهيل رحلات العبور، ومعلومات عن أماكن المراقبة والمسالك والتوقيت الأنسب، وهو ما أثار لدى المجلس شبهات بوجود نشاط لوسطاء أو شبكات محتملة للاتجار بالبشر.
حسابات أجنبية وحذف جماعي للمجموعات
ورصد التقرير أيضا وجود حسابات أجنبية داخل مجموعات مغربية تنشر أخبارا زائفة وتشجع على العبور.
وسجل المجلس قيام إحدى مجموعات “واتساب” بحذف جميع الأرقام التي تحمل الرمز الدولي لدولة أجنبية لم يكشف عن هويتها، بينما ضمت مجموعة أخرى أكثر من 18 رقما يحمل رمز الدولة نفسها.
ومع بلوغ محاولات العبور ذروتها وعبور آلاف الأشخاص يوم 30 يوليوز، اختفت بعض آثار التعبئة بالتزامن مع حذف خمس مجموعات رئيسية على “فيسبوك”.
وخلص المجلس إلى أن الفضاءات الرقمية ساهمت “بشكل حاسم” في مراحل التحضير للعبور وما تلاه، من التضليل والترويج إلى التنسيق والإرشاد والتعبئة، في وقت حولت فيه الصور والشهادات المتداولة حالات وصول فردية إلى مواد تحفيزية استعملت لدفع مزيد من الأشخاص نحو سبتة.