زواج المغربيات من أفارقة مسلمين في أوروبا.. ظاهرة تتوسع في فرنسا وإسبانيا وتفجر جدلا بين الجالية

محمد المغربي

توسع في السنوات الأخيرة داخل أوساط الجالية المغربية وعموم الجالية المنحدرة من شمال إفريقيا المقيمة في أوروبا، ظاهرة اجتماعية جديدة باتت تثير الكثير من النقاش في المساجد والمقاهي العائلية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وتتعلق بارتفاع حالات زواج فتيات من أصول مغاربية بمهاجرين منحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

الملاحظة التي كانت في البداية حالات متفرقة في أحياء الضواحي الباريسية أو في بروكسيل وبرشلونة وميلانو، تحولت اليوم إلى معطى اجتماعي ملموس، تتداوله العائلات وتسجله مكاتب الحالة المدنية في البلديات الأوروبية التي تعرف كثافة سكانية مشتركة بين المغاربيين والأفارقة. فرنسا التي تضم أكبر جالية مغاربية في أوروبا تقدم الصورة الأوضح، حيث تشير معطيات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن الزواج المختلط لدى الجيل الثاني والثالث أصبح قاعدة أكثر منه استثناء، وحصة مهمة منه تتم اليوم مع مسلمين من دول السنغال ومالي وغينيا ونيجيريا والكاميرون، وهو نفس المنحى الذي بدأ يظهر بقوة في إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا.

هذا التحول لا يمكن فهمه بعيدا عن السياق الذي تعيشه الجالية في المهجر. فالمغاربيون والأفارقة يتقاسمون نفس الفضاء، نفس الأحياء الشعبية والسكن الاجتماعي، نفس المدارس العمومية ونفس الوظائف في قطاعات الخدمات والنقل واللوجستيك، كما يتقاسمون نفس المسجد. المسجد في أوروبا لم يعد فقط مكانا للصلاة، بل تحول إلى فضاء للتعارف والزواج، وهناك يكون معيار التدين والالتزام حاسما لدى الكثير من الفتيات، فكرة أن الزوج مسلم مواظب على الصلاة تتقدم على فكرة ابن البلد أو ولد الدوار. جيل ولد وترعرع في أوروبا لم يعد يحمل نفس الحمولة الثقافية والقبلية التي يحملها جيل الآباء، هويته مركبة، إسلامية وأوروبية في آن واحد، وبالتالي فإن حاجز اللون أو الجنسية لم يعد يمثل عائقا بنفس الحدة التي كان يمثلها في السابق.

وسط المقال

في المقابل، تبرز في النقاش داخل الجالية أسباب أخرى مرتبطة بواقع شباب شمال إفريقيا في المهجر. عدد من الفتيات يشتكين من عزوف الشباب المغاربي عن الزواج الجاد، من ارتفاع سقف المطالب المادية، ومن انتشار مظاهر البطالة والانحراف وعدم تحمل المسؤولية لدى فئة منهم، في حين يجدن لدى الشاب الإفريقي المسلم رغبة واضحة ومعلنة في الاستقرار وتكوين أسرة، حتى وإن كانت وضعيته المادية متواضعة. ولا يمكن إغفال عامل الوضعية القانونية، فجزء من هذه الزيجات، وليس كلها، يأتي في سياق بحث أحد الطرفين عن تسوية أوراق الإقامة، وهي حقيقة يعرفها الجميع في أوساط الهجرة، غير أن اختزال الظاهرة كلها في الأوراق يظل تبسيطا، لأن الوقائع تظهر أن أغلب هذه الزيجات تستمر وتنجب أطفالا وتؤسس لبيوت مستقرة.

ردود الفعل داخل المجتمع المغاربي منقسمة بشكل حاد. فئة واسعة من العائلات، خاصة من الجيل الأول، ترفض الأمر بشكل قاطع وتعتبره خروجا عن الأعراف وتهديدا للهوية، وتتخوف من صعوبة الاندماج الثقافي واختلاف العادات وطريقة تربية الأبناء، بل إن بعض التعليقات على مواقع التواصل تنزلق نحو خطاب عنصري مرفوض. في المقابل، تدافع فئة أخرى، خصوصا من الشباب والمتدينين، عن هذه الزيجات باعتبارها تطبيقا عمليا لمبدأ المساواة في الإسلام الذي لا يفرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وتعتبر أن من يرفض تزويج ابنته من مسلم بسبب لونه أو جنسيته يمارس تمييزا يتناقض مع الدين، كما أن هذه الفئة تحمل جزءا من المسؤولية للشباب المغاربي نفسه الذي ترك الفراغ.

بين الرفض والقبول، تظل هذه الزيجات تواجه تحديات حقيقية على الأرض، تبدأ بقطيعة عائلية في بعض الحالات حين تصر الفتاة على اختيارها، وتمر عبر صعوبات الاندماج الثقافي داخل الأسرة الممتدة، والتعامل مع نظرة المجتمع الأوروبي والمغاربي في نفس الوقت، وصولا إلى تعقيدات قانونية في حالة الطلاق أو النزاع حول الحضانة. وهي في نهاية المطاف ظاهرة تكشف أكثر مما تخفي، تكشف عن تحول عميق في بنية الجالية المغاربية في أوروبا، من جالية تفكر بمنطق البلد الأصلي إلى جالية تفكر بمنطق المهجر، وتطرح سؤالا جوهريا لم يعد بالإمكان التهرب منه، وهو لماذا لم تعد الكثير من بنات الجالية يجدن في أبناء جلدتهن نموذج الزوج الذي يبحثن عنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.