حقيقة حزب فوكس الإسباني ولماذا يستهدف المهاجرين والمسلمين

حزب فوكس الإسباني لم يأت إلى الحياة السياسية ليقدم برنامجا اقتصاديا أو حلا لأزمة السكن أو البطالة، بل جاء ليحترف صناعة واحدة فقط هي صناعة الفتنة، وهي صناعة تحتاج دائما إلى عدو متخيل والى خوف دائم. منذ تأسيسه على يد سانتياغو أباسكال، أدرك الحزب أن الطريق الأقصر للوصول إلى البرلمان ليس إقناع الناس بما سيبنيه، بل إقناعهم بما يجب أن يخافوا منه.

ولهذا اختار المهاجر، وتحديدا المغربي والمسلم، ليكون هو هذا العدو المثالي. خطابه الرسمي لا يتحدث أبدا عن مهاجر كعامل أو كإنسان، بل يصفه دائما كجزء من غزو، كتهديد للهوية، كخطر يتربص بالنساء والشيوخ. هو يرفع رقم الأجانب عمدا من 14 بالمئة حسب الإحصاء الرسمي إلى 20 بالمئة عبر احتساب حتى المجنسين الإسبان كأجانب، ليخلق وهم الاستبدال الكبير، ثم يطالب في الكونغرس بطرد غير النظاميين وترحيل القاصرين وحتى مصادرة سفن الإنقاذ الإنسانية مثل سفينة أوبن آرمز، معتبرا أن إسبانيا ضحية مؤامرة حدود مفتوحة.

لكن هذا الخطاب لا يبقى حبرا على ورق، بل يتحول بسرعة إلى عنف في الشارع حين يجد الفرصة. وما حدث في بلدية توري باتشيكو في إقليم مورسيا خلال يوليوز 2025 هو الدليل الأكثر وضوحا على هذه الآلية. حادث فردي مدان، اعتداء شبان من أصل مغربي على رجل متقاعد، كان يجب أن ينتهي في المحكمة، حوله فوكس خلال ساعات إلى معركة وجودية. نزل زعيم الحزب في الجهة خوسيه أنخيل أنتييلو إلى البلدة ونظم تجمعا تحت شعار دافع عن نفسك ضد انعدام الأمن، وهناك قالها صراحة أمام الكاميرات نحن لا نريد مثل هؤلاء في بلدنا، سنقوم بترحيلهم جميعا، لن يبقى منهم أحد، متهما القادمين من شمال إفريقيا بأنهم يغتصبون الفتيات ويعتدون على الشيوخ. في نفس اللحظات كانت تنتشر على تيليغرام قناة باسم رحلوهم الآن إسبانيا تدعو لمطاردة المهاجرين في الأزقة، وهي القناة التي اضطرت السلطات لإغلاقها بسبب التحريض المباشر على العنف. النتيجة كانت أربعة أيام من الرعب عاشها المغاربة في توري باتشيكو، محلات تحطم، عائلات تختبئ، واعتداءات انتقامية، إلى درجة أن النيابة العامة المكلفة بجرائم الكراهية فتحت تحقيقا رسميا ضد أنتييلو بتهمة التحريض على الكراهية، بينما وصفت أحزاب مثل سومار وما تبقى من بوديموس ما يجري بأنه مطاردة عنصرية تقودها الفاشية.

وسط المقال

هذه ليست صدفة ولا انفلاتا، بل هي الطريقة التي يشتغل بها فوكس في كل مكان يصل فيه إلى السلطة ولو جزئيا. في أراغون، حيث يسيطر على وزارة الرعاية الاجتماعية، كان أول قرار له هو إلغاء المنحة الأسبوعية البسيطة التي كان يتلقاها القاصرون المهاجرون غير المصحوبين، وسخر منها على منصة إكس واصفا إياها ببقشيش الميناس، وهو مصطلح احتقاري، في خطوة وصفتها وزارة الطفولة في مدريد بأنها عنصرية وبائسة لأنها تميز بين طفلين تحت رعاية الدولة فقط حسب جواز سفره. وفي فالنسيا طالب بإخراج مراكز إيواء هؤلاء القاصرين خارج المدن وكأنهم وباء، وقال يجب أن يعودوا إلى بيوتهم في بلدانهم الأصلية. وفي بلديات أخرى تحالف مع الحزب الشعبي لطرح مبدأ الأولوية الوطنية، وهي فكرة مستوردة من اليمين الفرنسي المتطرف، مفادها أن الإسباني يجب أن يأخذ المساعدة قبل الأجنبي حتى لو كان الأجنبي مقيما قانونيا ويدفع الضرائب، بل ذهب أبعد من ذلك حين رحب بقرارات منع احتفالات المسلمين في الأماكن العامة مبررا ذلك بجملة شهيرة كرها كثيرا إسبانيا ليست الأندلس.

السبب الحقيقي وراء هذا السلوك ليس قناعة أيديولوجية صلبة بقدر ما هو حساب انتخابي بارد. فوكس يعلم أنه لا يملك كفاءات لإدارة الاقتصاد ولا حلولا لأزمة الصحة، لذلك لا يستطيع أن ينافس في ملعب البرامج، فيختار أن ينقل المباراة كلها إلى ملعب الهوية والخوف. كلما ارتفعت الأسعار أو زادت البطالة، يرمي بورقة الهجرة ليشتت الانتباه. وكلما اقتربت الانتخابات، يحتاج إلى حادثة توري باتشيكو جديدة ليشحن قاعدته المتطرفة ويدفعها للتصويت.

والأخطر أنه ينجح في جر الحزب الشعبي معه، فكلما صرخ فوكس بصوت أعلى، اضطر الحزب الشعبي ليتبنى نصف خطابه خوفا من فقدان أصوات اليمين، وهكذا تنتقل الفتنة من هامش فوكس إلى قلب مؤسسات الدولة. لهذا السبب سيظل فوكس يبحث دائما عن الفتنة، لأنه بدونها لا يوجد، وبدون عدو خارجي يخيف به الناس، سيكتشف الإسبان أنه حزب فارغ لا يملك شيئا ليقدمه سوى الكراهية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.